ابو البركات
177
الكتاب المعتبر في الحكمة
زمان فالحاصل في بعض الزمان ليس بعض السخونة في كله بل كل السخونة في بعضه بل في جزء جزء في غير زمان والزمان في ذلك يساوق « 1 » تتالى الأكوان فلم تتبعض السخونة ولم يكن فيها ضعف وشدة في نفسها بل تقل الاجزاء السخينة في المتسخن وتكثر وكذلك فيما يبرد ويتكون ويستحيل في أنواع الكيفيات « 2 » ألا ترى ان المصبوغ بشيء من الأشياء كلما ردد عليه ازداد صبغا إلى حد يشابه الصانع فما نقص اللون في أول الصبغ وانما تبدد في بعض المصبوغ حتى عمها فساوى الصابغ في لونه وقد يزيد عليه في فنه لتمحص الاجزاء الصابغة في المصبوغ بتصفيها عن أشياء كانت تخالطها فتضعف صبغتها كالمصبوغ بالنيل والعصفر ونحوهما فكل استحالة عندهم كون لأنها تحصل في غير زمان وهذا أيضا يشتبه على العقلاء ويصلح ان ينظر فيه ويجاب عنه . وبعد هذين مذاهب كثيرة لا تشتبه على العقلاء ولا تشكل على أهل النظر ولا يتعذر حل شكوكها على من تدرب في العلم فمن أحب ان ينظر فيها وفيما قيل من أجوبتها وجده في الكتب القديمة مشروحا واضحا . واما المذهب الأول الذي أبطل الاستحالة والكون وقال ببروز الكامن ونفوذ المخالط في الكون وكمونة وانفصاله في الفساد فيرده النظر اما الكمون فان أرادوا به ظاهر مفهومه من أن الكامن يكون في عمق الشئ فالحس ينال العمق كما ينال السطح والكامن يجتمع في الباطن فيكون اثره فيه اظهر ونحن نرى الماء المتسخن قبل سخونته وان من يدخل يده فيه يحس من البرد أكثر مما يحسه من سطحه وظاهره فأين الكامن منه . فان قال إن ذلك لنفوذ اجزاء مداخلة من النارية له لزم ان لا يسخن الماء ولا غيره إلا بتضاعف مقداره حتى تغلب الاجزاء الحارة على الاجزاء الباردة غلبة ظاهرة وليس كذلك بل تنقص على الأكثر فإن لم يلزم زيادته في السخونة لتبدد أجزاء منه بالحرارة لزم نقصانه إذ عاد باردا بانفصال الاجزاء الحارة عنه وان لا يبقى على النصف من مقداره بل أقل لان الغالب أكثر ولا نرى الامر
--> ( 1 ) سع - يساوى . ( 2 ) سع الكليات